لم تكن سوريا جنة الخلد، بما يخص المطلقات والأرامل والفقراء في يوم من الأيام، وكل ما يجري من تحوّل ليبرالي نحو اقتصاد السوق/ء الاجتماعي، يؤدي إلى تعميق الفوارق بين الأغنياء والفقراء، ويمكن لمن يعترض على هذه المقولة أن يقرأ أي تقرير، وفي أي وسيلة إعلامية، وستتأكد له المعلومة السابقة. وما قيل عن إعادة توجيه الدعم، والدعم لمستحقيه، وعدم نسيان الفقراء، هو أسلوب ذكي إعلامياً، والهدف منه القول: لقد اكتفينا من الحكايا الاشتراكية، والآن سنبدأ نقص عليكم الحكايا الرأسمالية، ولكن هذه مكلفة، وعليكم تحمل المسؤولية، والمتعة هنا، قد تؤدي إلى أن تتجمد المطلقات والأرامل، عقاباً لهن على ترك رجالهم دون دفء، مع أننا سنكافىء الرجال في وحشتهم بفاتورة المازوت؛ يا جاحدات، يا ناقصات عقل ودين. من الصعب تفسير هكذا قرارات بصورة عقلانية، وأفضل شكل للتفسير هو التهكم، فهو سيكون مفيداً جداً، فبالله عليكم كم ستكون النقود التي ستعطى لهذه الشريحة المجتمعية، وخاصة أنها لن تعطى سوى لمرة واحدة في السنة، أليس معيباً هذا القرار، في بلدٍ من الصعب أن تجد فيه المرأة بعيدة عن مواقع العمل والسياسة والثقافة والقانون والتعليم والطب والهندسة، هل أزيد، إنها يا أسياد وزارتنا العتيدة، في كل مواقع العمل، فلماذا هذا الفعل الشنيع؟ لماذا تلك النساء لسن من المستحقات للدعم؟ ثم أية حقوق تنالها النساء بعد الطلاق؟ ألسن منبوذات اجتماعياً وعائلياً ومستباحات جنسياً وعاطفياً؟ أليس هذا واقع المرأة في زمنٍ أصبحت سورية فيه تساوي أفغانستان في التطور الاجتماعي؟ أكذوبة الدعم لمن يستحقه، دليلها الأكيد قرار طرد المطلقات والأرامل من جنة الدعم. فإذا طردت هذه النساء من الدعم الحكومي ومن الدعم الأسري، ماذا يتبقى لهن بربكم؟ وإذا لم يكن عاملات وبأجور عالية، ماذا سيكون مصيرهن، وهل توجد أجور عالية في بلدنا؟... وإذا لم يكنّ من أسر ثرية، ماذا ستكون عليه حالتهن؟ أعتقد أن المصيبة الأخيرة، ليست الأولى وللأسف لن تكون الأخيرة كما يبدو، والتي تقع على رؤوس أخواتنا، وهن في كل هذه القرارات والقوانين الحكومية التي تظلمهن يُدفعن دفعاً إلى ممارسة الرذيلة، وكل الأعمال القذرة، والسبب الرئيسي هنا الذكورة "الإلهية" الصلفة المستندة إلى ثراء مالي، يعبد المال إلهاً، وفي سبيل عيون النقد تهون له كل القيم والبشر والحجر والنبات والحيوان، وتستطيعون الإضافة كما تشاؤون أيها القراء الأعزاء، فالمال لا مرجعية له سوى المال، وجاني المال قاتل البشر- بفعلته- بكل تأكيد وبدون مراجعة. المطلقات، أبتلين لسبب أو لآخر، وسواء أكان لديهن أولاد أم لا بالانفصال، وبالتالي ووفق زمن الزواج والعمر والعمل والثروة، يجب أن ينصفن، وليس أن ترمين وكأنهن من المتاع البالي والقذر. تنتمي المطلقات، والكلام لحكومتنا العتيدة إلى البشر، وهم يأكلون ويشربون وينامون في منزلٍ ويبردون في الشتاء ويشعرون بالحر في الصيف، وهن كذلك يحتاجون للعمل، وبالتالي هم بشر-تذكروا هذا- يجب إنصافهم، ويجب أن تُعطى المطلقات منزلاً ودعماً من المازوت وغير المازوت، وأن يتم تأمين عمل لهن، بل يجب أن تقام محاكم متخصصة لمن يسيء لهن، وهذا ومن جديد، لأن مجتمعاتنا تربي ذكورها ونساءها، على أن المطلقة وكذلك الأرملة، نساء مستباحات، عدا عن صفات أخرى لست بوارد ذكرها هنا. ألم يعش أحد من وزراء حكومتنا العتيدة تجربة حياتية لقريبة أو أخت مطلقة أو أرملة، ألم يشهد المعاناة التي يعانينها، بدءاً من مسألة السكن، إلى مسألة الأولاد إلى مسألة العمل إلى مسألة التحرش بهن، وإذا عاشها فعلاً ولم ينتبه لخطورة هكذا قرار على النساء المذكورات المحرومات من جنة الدعم المازوتي، أليس حرياً بهم أن يعودوا عن هكذا قرار لإنصافهن، بالإضافة لإنصاف النساء في بلادنا بشكل عام، ولا سيما بما يخص إعطائهن حق التجنيس لأولادهن وأزواجهن والحق بمنزل الزوجية قبل وبعد الطلاق إذا كان الرجل يملك المنزل، عدا عن الحق بالتساوي في الشهادة أمام القانون، والتراجع عن قانون الأحوال الشخصية الثاني، والذي يمتاز بذكورية وتمييز ديني، تتكرر فيه عقلية النسخة الأولى نفسها. الدعم لمن يستحقه، أليست الأرامل تستحقن الدعم، وماذا تعني الأرملة، أليست تعني امرأة عانت موت زوجها، وأصبحت وحيدة في زمن لا يرحم؟ و بالمقابل هل تستطيع أية أسرة في سوريا أن تؤمن دخلها الشهري من راتب واحد؟ وبالتالي ما هو حال المطلقة والأرملة، أليس أمراً عجيباً منعها من هذا الحق، الذي لا قيمة له فعلياً سوى أنه يكفيها شر العوز بمعناه الضيق. الأرملة حقيقة في وضع أسوأ من المطلقة، فهي لم تختار الانفصال عن زوجها، بل هي في وضع لم تختره بالمطلق، وقد تكون أماً لأطفال أو بدون عمل وقد تكون طفلة وزُوجت في مجتمع لا تزال بعض فئاته تفضل الزواج المبكر"الاغتصاب" وقد وقد، وبالتالي من الأفضل العودة عن هكذا قرار سريعاً وإيجاد صيغة تنصف ليس المطلقات والأرامل فقط، بل وكل الفقراء، وبعيداً عن وصفات الهيكلة الاقتصادية والاجتماعية، وحكايا الليبرالية، وقصص الدعم لمن يستحقه، التي صارت مسخرة كاملة، وسحقاً فعلياً لفئات واسعة من الشعب السوري. لست ضد أية قرارات اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية تساهم في تطور البلد، فهل صيغ الدعم لمستحقيه، تؤدي لذلك، أعتقد أنها تشكل ضرراً بالغاً، خاصة وأنها تتم بزمن يتم فيه التراجع عن صيغ الليبرالية الجديدة وتعطي الدولة دوراً أساسياً في حل أزمات المجتمع، وتوضع القيود من جديد على مقولات السوق الحرة واليد السحرية المدمرة لما تم بناؤه في عقود دولة الرفاه والدولة الاشتراكية والدول التي كانت تشبههما. سوريا تحتاج لسياسات اقتصادية واجتماعية جديدة، تساهم في التخلص من الأزمات على اختلاف أشكالها، ولكن يجب وضعها بعيداً عن اتفاقيات التنسيق مع الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوربي، وبدون ضغط مباشر من رجال الأعمال الليبراليين والمرتبطين اقتصادياً بالسوق العالمية ومن أجل مصالحهم، ومع أننا لسنا ضد تلك المصالح، ولكن لا يجوز بأي حال من الأحوال التضحية بمصير ملايين البشر من أجل بضعة أشخاص ولا عقد اتفاقيات وفق صيغ ليبرالية، يشهد العالم بأسره الأزمات بسببها. المطلقات كما الأرامل كما الفقراء، كما مؤسسات التعليم العام والجامعة والصحة أجور العاملين بالدولة هي المعنية بالمساعدة الآن، وهذا حق لهم، فهم أعطوا الكثير للدولة والبشر والتاريخ، وهم الآن من يتم التخلي عنهم في سياسة الليبرالية الجديدة، وكي لا نفهم بأننا ضد الليبرالية، فإنني مع كل ما يؤسس قطاعات صناعية وخدمية وثقافية وتعليمية بمواصفات الدول العظمى، وغير ذلك، هو مجموعة أكاذيب لصالح فئات ضيقة في مجتمعنا، وما نقوله ليس إعجازاً فكرياً وفتحاً معرفياً لا يعرفه أحد، بل نقول ما يذاع يومياً ويكتب في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، وتتناقله الألسن يومياً في طول العالم وعرضه، وفقط لا تعترف به الحكومات، وحكومتنا المهتمة جداً بتوزيع الدعم لمن يستحقه، وهم ليسوا المطلقات أو الأرامل ولا الفقراء في عرفها، هي من تلك الحكومات الذكية جداً.